|
مهرجانات سينمائية في قلب العاصفة
سمير فريد
لا أرى أن على الناقد أو الصحفي الذي يعمل في مجال السينما تغطية
المهرجانات التي يحضرها فقط, سواء بدعوة أو من دون دعوة, وإنما
عليه أن يغطي المهرجانات التي تهم القراء, حتى لو لم يحضرها, فعمله
موجه إليهم وليس إلى إدارة المهرجان, ولذلك تناولنا على هذه الصفحة
مهرجان دبي مثلاً رغم أننا لم نحضره. وبالطبع فإن تغطية أي مهرجان
كحدث لا علاقة لها بنقد الأفلام التي تعرض فيه.
وفي إطار النظرة الشاملة لعام مضى مع مطلع 2006 هناك مهرجانات
دولية في العالم العربي حظيت بتغطية إعلامية واسعة, وهي القاهرة
ودمشق ومراكش ودبي, بينما لم تحظ مهرجانات أخرى بنفس القدر, رغم
أنها لا تقل أهمية مثل مهرجان الإسماعيلية أو مهرجان طنجة, وكلاهما
للأفلام التسجيلية والقصيرة, لأن هذه الأفلام لا تقدر مثل الأفلام
الروائية الطويلة, وخاصة في العالم العربي, وحتى مصر ذات المائة
عام سينما.
وهناك أربعة مهرجانات سينمائية دولية أقيمت عام 2005 لأول مرة في
العالم العربي ولم تحظ بأي تغطية إعلامية خارج بلادها مع الأسف
الشديد لأن ثلاثة منها أقيمت في العراق والرابع في فلسطين حتى أنها
تبدو وكأنها مهرجانات "سرية", ويرجع ذلك في تقديري إلى الغوغائية
السائدة في وسائل الإعلام العربية المكتوبة والمرئية, والاستثناء
يؤكد القاعدة, والتي تجعل جمهورها يرى أن واجب العراقي الموت حتى
زوال أمريكا, وواجب الفلسطيني الموت حتى زوال إسرائيل.
المقاومة بهذا المفهوم الغوغائي تذكرنا بالقول الشائع في الستينيات
من العقد الماضي بأن على العرب مقاومة الإمبريالية والصهيونية حتى
آخر مصري, فما أسهل إطلاق الصرخات المدوية من فنادق الخمس نجوم, أو
النضال بالسعر التشجيعي حسب تعبير أستاذنا كامل زهيري, ولكن الشعب
العراقي يقاوم من يهدرون دم أبنائه ولو كانوا عراقيين, وكذلك الشعب
الفلسطيني, وكلا الشعبين في قلب عاصفة, ولكنها مخاض ميلاد عراق
جديد وفلسطين جديدة.
ولذلك أقيم في كردستان العراق في فبراير مهرجان أربيل الأول
للأفلام التسجيلية والقصيرة الكردية, ونظمته إدارة السينما في
وزارة ثقافة الإقليم, وتولى إدارته مدير هذه الإدارة مهدي أوميد,
وقد عرض المهرجان نحو 50 فيلماً لمخرجين أكراد من الإنتاج الكردي
وغير الكردي, وكان من أهمها "العودة إلى كركوك" إخراج كارزان شيرا
بياني الذي يعيش في المنفى في لندن منذ سنوات طويلة مثل آلاف
المبدعين العراقيين من الأكراد وغير الأكراد.
ولدى العرب حساسية مفرطة من دون مبرر من أي حديث عن ثقافات
الأقليات من المحيط إلى الخليج مروراً بمصر والسودان, وذلك نتيجة
الوعي الغوغائي السائد أيضاً, والذي يرى أن الحديث عن ثقافة أو
حقوق أي أقلية يعني التوجه إلى تقسيم هذه البلد أو تلك, بينما
يعلمنا التاريخ أن أي بلد يكون في نهضة عندما يحترم ثقافة
الأقليات, وأن أي بلد توجد فيه أكثر من ثقافة ينعم بالتعددية
الثقافية التي تجعله أكثر قدرة على التفاعل مع العالم المتعدد
الثقافات بالضرورة, وأن الوحدة الوطنية مكافأة لا ينالها إلا الشعب
القادر على أن تتعايش أغلبيته مع أقلياته.
وفي سبتمبر أقيم مهرجان بغداد الأول للأفلام القصيرة الذي نظمته
جمعية الفنون البصرية المعاصرة برئاسة نزار الراوي وإدارة حمودي
جاسم, والذي عرض أكثر من 60 فيلماً لمخرجين عراقيين من الإنتاج
العراقي والأجنبي, وبرنامجاً خاصاً من 25 فيلماً ألمانياً, وعرض
خارج المسابقة 30 فيلماً منها 5 أفلام مصرية من الإنتاج المستقل,
وإنتاج معهد السينما بالجيزة, وهي "أن تنام بهدوء حتى السابعة"
إخراج تامر محسن, و"جليد" إخراج رامي عبد الجبار, و"أبدا لم
نفارقه" إخراج أحمد رشوان, و"نظرة للسماء" إخراج كاملة أبو ذكري,
و"يوم الاثنين" إخراج تامر السعيد.
وفي سبتمبر أيضاً أقيم مهرجان سينما المرأة الأول في فلسطين "رام
الله ونابلس وبيت لحم", الذي نظمته جمعية شاشات برئاسة سميرة
حساسيان وإدارة علياء أرصغلي, وعرض أكثر من 30 فيلماً منها
الفيلمان المصريان "دردشة نسائية" إخراج هالة جلال وإنتاج ماريان
خوري, و"النهاردة حصان" إخراج هالة منصور, ومن إنتاج شركة سمات
للإنتاج المستقل.
وأخيراً أقيم في ديسمبر مهرجان بغداد السينمائي الدولي الأول الذي
نظمته جمعية سينمائيون عراقيون بلا حدود برئاسة طاهر علوان, والذي
عرض أكثر من 40 فيلماً طويلاً منها الفيلمان المصريان "بحب السيما"
إخراج أسامة فوزي, و"أحلى الأوقات" إخراج هالة خليل, كما شارك فيه
المركز السينمائي المغربي, والمجمع الثقافي في أبو ظبي. وقد أقبل
الشباب على حضور المهرجان, رغم الظروف الأمنية المتدهورة, وافتتح
بكلمة من شيخ الفنانين العراقيين الممثل والمخرج والناقد المسرحي
والسينمائي الكبير يوسف العاني وجه فيها الدعوة إلى الشباب لعدم
إلقاء تاريخ السينما في العراق كله في مزبلة التاريخ, والتأكيد على
أن هناك 20 أو 30 فيلماً من المائة تستحق التقدير.
المصري اليوم
10/1/2006
|